تراث الترجمة عند العرب - ترجمة د. محمد غنوم

نشأت اللغة العربية،وهي لغة سامية، في الجزيرة العربية لكنها سرعان ما انتشرت بعيداً خارج حدود نشأتها وذلك مع ظهور الإسلام في القرن السابع (الميلادي) .
أما ما قبل ظهور الإسلام وتكون (الأمة العربية) فإن الشعوب المتعددة القاطنة في أجزاء مختلفة من المناطق المعروفة الآن بالعالم العربي كانت في كثير من الحالات ثنائية اللغة تستعمل العربية في حياتها اليومية وتستعمل عدداً من اللغات المختلفة مثل السريانية والآرامية في مجالات التجارة والتعليم (حتي1937:ص70)، خصوصاً وأن اللغة العربية لم تطور نظاماً في الكتابة حتى زمن ظهور الإسلام تقريباً .
يعتبر ظهور الإسلام أهم حدث في حياة الشعوب العربية في القرن السابع الميلادي ذلك لأنه غيَّر خارطة المنطقة اللغوية والسياسية والثقافية إلى الأبد . بدأ انتشار الإسلام في أثناء حياة النبي وتسارع ذلك الانتشار بصورة استثنائية بعد وفاته في عام 632م .
وبحلول عام 698م كانت العراق وسورية ومصر وشمال إفريقية قد أصبحت جزءاً من النظام الديني والسياسي الجديد . وفي أوج توسعها امتدت الإمبراطورية الإسلامية من ما يعرف اليوم بالباكستان حتى إسبانيا .
إن التاريخ السياسي للعالم الإسلامي معقد وذلك بسبب انتقال مركز الإمبراطورية من عاصمة إلى أخرى كلما ظهرت سلالة حاكمة مختلفة، ولوجود خلفاء مختلفين أحياناً في أجزاء مختلفة من العالم . إن أهم الحقب والخلفاء هي كالتالي :
1- الحقبة الأولىتبدأ بموت النبي محمد في عام 632م وتنتهي بموت علي رابع الخلفاء الراشدين عام 661م .انتقل مركز الخلافة في أثناء هذه الفترة من المدينة إلى الكوفة والبصرة في العراق حالياً .
2- الخلافة الأموية (661-750) ومركزها في دمشق .
3- الخلافة العباسية (750-1258) ومركزها بغداد .
4- الخلافة الفاطمية (909-1171) وعاصمتها القاهرة.
5- فرع للخلافة الأموية أسِّس في قرطبة (929-1031).
كنا تحدثنا في مقالة سابقة عنالترجمة في تلك الحقب ولم يبقلنا إلا التطرق للحقبة الأخيرة التي سبقت العصر الحديث وهي:
الخلافة العثمانية (1517-1924) ومركزها القسطنطينية، كانت هذه الخلافة العظيمة والأخيرة للإسلام في تركية، وقد ألغي رسمياً لقب خليفة (قائد المجتمع المسلم) عام 1924م .

بدءاً من أواخر القرن العاشر ومطلع القرن الحادي عشر بدأت الإمبراطورية الإسلامية الدخول في فترة طويلة من التفكك نتجت عن تأسيس خلافات منافسة في مصر وإسبانيا وأسر حاكمة صغيرة لا تنتهي في أجزاء مختلفة من الإمبراطورية . وبعد سلسلة من الانقضاضات قام بها المغول تتوجت فيما بعد بتدمير بغداد وذبح الخليفة وموظفيه على يد هولاكو عام 1258م . وبقي العالم الإسلامي فترة دون خليفة يحكمه. سيطرالمسلمون العثمانيون، وهم قوة جديدة كانت ستستمر بصورة حسنة حتى القرن العشرين، في النهاية على المنطقة ونسبوا لقب خليفة إلى حكامهم عام 1517م .
في ظل هذا النظام السياسي الجديد استمرت اللغة العربية لغة للتعليم والقانون، لغة القانون لأن العثمانيين المسلمين كان عليهم أن يحكموا الإمبراطورية حسب الشريعة الإسلامية . وفي مناطق أخرى بدأت العربية تفقد مكانتها لصالح اللغة التركية ( والتي أصبحت لغة الحكومة ) واللغة الفارسية (والتي أصبحت لغة الآداب). وظلت العربية، هي لغة التعليم، تلعب دوراً رئيسياً في حركة الترجمة مع أنه كان عليها الآن أن تشترك في هذا الدور مع اللغة التركية.
كان العالم العربي معزولاً جداً ومحروماً من الاتصال الثقافي في أثناء القرون الأولى من الحكم التركي. وحدث الاتصال الثقافي الأول مع أوروبا من خلال الحملة الفرنسية على مصر عام 1798؛ التي دامت ثلاث سنوات فقط، إلا أنه كان لها تأثير كبير على التطور الفكري للمنطقة.
لقد جلب نابليون معه " سرية علمية " ضمت عدداً من المستشرقين الذين أنشؤوا أول مطبعة عربية في المنطقة. في البداية جلب نابليون مترجميه الخاصين معه ومن بينهم بعض البحارة المسلمين كان قد أسرهم في مالطة ( الشيال 1950: ص36 ) . هؤلاء المترجمون الأجانب أعدوا الإعلان باللغة العربية الذي وزعه نابليون لدى رسوّه في الإسكندرية، وهو إعلان مُعد لإعادة الثقة للمصريين وحفزهم للثورة على حكامهم،وكان الإعلان، مثل كثير من الترجمات التي أنتجها أولئك المترجمون الأجانب، غير سليم نحوياً وضعيف أسلوبياً( الجبرتي، اقتبسه الشيال 1950: ص36) كذلك اعتمد الفرنسيون على مترجمين شفاهيين لقراءة فرماناتهم بصوت عالٍ وحتى من أجل تهدئة الحشود الغاضبة. إضافة إلى ذلك فإن المترجمين الشفاهيين عملوا في الديوان حيث كانوا يترجمون قضايا قانونية ويقرؤون بصوت عال رسائل وأحكاماً. يخبرنا الجبرتي أن أولئك المترجمين الأجانب كانوا يستعملون كلمات فرنسية وهم يترجمون إلى اللغة العربية.
ينقسم المترجمون التحريريون والشفويون في هذه الفترة إلى ثلاثة أقسام :
أ- بحارة مغاربة وعرب وأتراك أسرهم الفرنسيون في مالطا وأطلقوا سراحهم ليعملوا كمترجمين في مصر.
ب- مستشرقون فرنسيون رافقوا الحملة العلمية من أشهرهم فينتور وجوبير ولوماكا.
ت- سوريون مسيحيون كانت لهم دراية جيدة باللغتين العربية والفرنسية إضافة إلى مشاركتهم للغزاة في الدين. وقد غادر حوالي خمسمئة من هؤلاء السوريين المسيحيين مع الفرنسيين عام 1801 واستقروا في مرسيلية (الشيال 1950: 45 وما يليها). والقليل جداً من المصريين شاركوا في الترجمة في هذه الفترة وكان أشهرهم الأب بيير أنطون رفائيل وهو قسيس مسيحي من أصل سوري أصبح العضو العربي الوحيد في المجمع العلمي المصري الذي أسسه نابليون .
ركزت جلّ نشاطات الترجمة في ظل الفرنسيين على الوثائق الرسمية والمراسيم القانونية. بيد أنه تمت ترجمة عدد قليل من النصوص المهمة من بينها كتاب في نحو اللغة العربية المنطوقة طبع في طبعة ثنائية اللغة عام 1801، وبحث حول الجدري ترجمه الأب بيير رفائيل وطبع بالعربية والفرنسية عام 1800 .
الترجمة في ظل حكم محمد علي :
في عام 1805 أرسل الخليفة العثماني محمد علي، وهو جندي عثماني،أساساً للسيطرة على مصر،لكن محمد علي تمكن من أن يصبح الحاكم الفعلي غير الشرعي لمصر وفيما بعد لسورية والسودان. كان محمد علي يمتلك طموحات عسكرية بدأ يدعمها وذلك بإنشاء برنامج كبير للتعليم الأجنبي وفيما بعد للترجمة، بصورة رئيسة لترجمة الأعمال التقنية. أنشأ محمد علي مدارس مهنية،وأرسل مجموعات من الطلبة على نفقته للدراسة في أوروبا ولدى عودتهم طلب منهم ترجمة النصوص التي كان يحتاجها لتحديث جيشه وإدارته. في البداية كان معظم الطلبة الذين أرسلوا إلى أوروبا أتراكاً أو مسيحيين من الشرق،لكن الطلبة المصريين فيما بعد بدؤوا ينضمون إلى تلك البعثات التعليمية .
من بين أنشط المترجمين في هذه الفترة المسيحيين المارونيين من لبنان وسورية الذين ترجموا أو نقلوا أعمالاً عدّة حول العقيدة الكاثوليكية والذين استعملهم القادة السياسيون مثل فخر الدين كمترجمين شفويين في مفاوضاته مع الحكومات الأوروبية (حوراني 1962: 55-56) . تمتعت هذه المجموعة في ظل حكم محمد علي وأبنائه بحرّية أكبر وكانوا قادرين على تأسيس مدارسهم الخاصة حيث ترجموا أيضاً كتباً مدرسية وطبعوها في مطابعهم الخاصة. عمل طلاب هذه المدارس التبشيرية فيما بعد مترجمين شفويين للحكومة المحلية والدبلوماسيين الأجانب في المنطقة وشكلوا الجيل الأول من الصحفيين فيالعالم العربي (المرجع ذاته: ص67) .
بعض الترجمات التي ظهرت في هذه الفترة قام بها أوروبيون من بينهم القنصل الفرنسي "باسيلي فخر"الذي ترجم عدداً من الكتب الفرنسية حول علم الفلك والعلوم الطبيعية إلى اللغة العربية .
كانت الفرنسية هي اللغة الرئيسة في القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر وكانت بعثات محمد علي من الطلاب إلى أوروبا تقصد فرنسا في الأغلب. وبصورة خاصة يرجع الفضل في وجود المسرح العربي الحديث إلى جهود الترجمة التي قام بها مهاجرون لبنانيون في مصر نقلوا كماً كبيراً من المسرح الفرنسي إلى اللغة العربية في أثناء هذه الفترة (أنظر سادغروف 1996) .
وبعد أن بدؤوا بترجمات حرفية دقيقة تحولوا لاحقاً إلى تعديلات واسعة نسبياً شملت تغيير الخلفية وأسماء الشخصيات في مسرحيات موليير وآخرين. بيد أنه لم يتم نقل النصوص المسرحية الفرنسية فقط إلى العربية بل كامل التراث المسرحي الفرنسي تم استيراده بمجمله . والعديد من المصطلحات الحالية المستخدمة في المسرح العربي (خصوصاً في مصر وسورية ولبنان ) تنبي عن أصولها الفرنسية مثل ديكور وإكسسوار وفود فيل :"وهي مسرحية هزلية خفيفة تشتمل عادةً على رقص وغناء (المورد) ".
في عام 1826 رافق إحدى بعثات محمد علي من الطلاب إلى فرنسا مرشد ديني أزهري أصبح فيما بعد أحد أهم الشخصيات في الترجمة في هذه الفترة وتربوياً ريادياً في عصره .
أمضى رفاعة الطهطاوي (1801-1873) خمس سنوات في باريس حاز خلالها على ملكة ممتازة في اللغة الفرنسية، ولدى عودته عمل مترجماً في واحدة من مدارس محمد علي الجديدة المتخصصة، ثم رأس فيما بعد دار الألسن التي سميت في البداية مدرسةالترجمة والتي بناها محمد علي عام 1835 بناءً على نصيحة من الطهطاوي ذاته . بدأت الألسن بثمانين طالباً اختارهم الطهطاوي ذاته من مناطق متنوعة، وفي غضون أعوام قليلة ازداد هذا العدد ليصبح مئة وخمسين طالباً كانوا يدرسون العربية والفرنسية والتركية (وأحياناً الإنجليزية) إضافةً إلى مواضيع تقنية كالجغرافيا والرياضيات .
كان الطهطاوي يختار عدداً من الكتب يعتقد أنها تحتاج للترجمة ويوزعها بين الطلاب في المدرسة، وكان يرشدهم في أثناء الترجمة ثم ينقّح كل نص بنفسه قبل أن يدفعه للطباعة.
لعب الطهطاوي وطلابه المتخصصون في الترجمة دوراً فعالاً في توفير كمية كبيرة من المصادر الأوروبية باللغة العربية تغطي مجالات معرفية عديدة. ومن بين أهم ترجماتهم تواريخ متنوعة للعالم القديم والعصور الوسطى،وتواريخ ملوك وأباطرة متنوعين مثل كتاب مونتسيكيو تأملات حول أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم،إضافة إلى كمية ضخمة من النصوص في الطب والجغرافيا والعلوم العسكرية ومواضيع تقنية أخرى .
كان التعليم في المدارس المتنوعة التي بناها محمد علي يقوم به في البداية أساتذة أجانب باللغة الفرنسية أو الإيطالية. هؤلاء الأساتذة كانوا يعتمدون على مترجمين شفويين في قاعات الدراسة للتواصل مع طلابهم. وهكذا فإن استعمال المترجمين الشفويين في السياق التعليمي كان يبدو ممارسة مألوفة تماماً في ذلك الوقت .
صدرت أول ترجمة حديثة كاملة للكتاب المقدس إلى العربية في أواسط القرن التاسع عشر بأقلام منصّرين في جامعة كيمبردج ببريطانيا . وبعد فترة وجيزة حلّ محل هذه الترجمة طبعة أفضل أصدرها مبشرون أمريكيون عام 1856 في بيروت. كانت طبعة 1856هي الترجمة العربية الأولى التي اعتمدت على اللغات اليونانية والعبرية والآرامية (سومينح1995) وقد استغرق إنجازها سبعة عشر عاماً. واستخدم المترجمان الرئيسان وهما "إيلي سميث وكورنيليوس فان دايك" ثلاثة مترجمين عرب لمساعدتهما في إنجاز المهمة، وجاءت ترجمة الكتاب المقدس اليسوعي إلى العربية والتي نشرت في بيروت بين 1876 و 1880 تماماً على نمط نسخة سميث- فان دايك. قام بهذهالترجمة أيضاً باحث غربي هو "أوغسطين روديت"بمساعدة مترجم عربي هو إبراهيم اليازجي .
شارك بعض أشهر مترجمي هذه الفترة،والذين كانوا سيشكلون فيما بعد القيادة الفكرية في مصر وسورية على وجه الخصوص،في إنتاج تلك الطبعات من الكتاب المقدس. من بين هؤلاء فارس الشدياق وبطرس البستاني ونصيف اليازجي .
دام برنامج محمد علي في الترجمة عشرين عاماً كان خلالها توزيع الكتب المترجمة مقتصراً على مجموعة صغيرة من الأكاديميين هم بصورة رئيسة الطلاب والطلاب السابقون في الألسن،والمسؤولون الحكوميون الذين كانوا يحتاجون الوصول إلى معلومات محددة.
إلا أن تأثير الأعمال المترجمة المنجزة في هذه الفترة القصيرة كان كبيراً جداً ذلك لأن القيادة الثقافية الجديدة في مصر (التي لا تزال منذ ذلك الوقت تشكل التأثير الثقافي الرئيس في العالم العربي) تشكلت من صفوف الطلاب الذين كان بإمكانهم الوصول إلى الكتب المترجمة .
وبفضل أولئك الطلاب بدأت مصر ومعها بقية العالم العربي القرن العشرين بثروة من المعرفة وبفضول فكري حقق لها مكاناً في العالم الحديث .
القرن العشرين :
كانت لكل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا خططها حول أجزاء متنوعة من العالم العربي منذ مطلع القرن التاسع عشر،إذ كانت الإمبراطورية العثمانية أضعف من أن تدافع عن أراضيها.ومع بدايات القرن العشرين كان معظم العالم العربي يرزح تحت الاحتلال فالبريطانيون كانوا في مصر والسودان وفلسطين والعراق،والفرنسيون في شمال إفريقية وسورية والطليان في ليبيا. ولأول مرة طيلة عدة قرون فقد العالم العربي قيادة سياسة مشتركة.
هذا الوضع، إضافة إلى نشوء الدول القومية المستقلة فيما بعد أدى إلىتطور ثقافي كبير جداً في المنطقة ومعه حركة الترجمة. فالمنطقة هي ببساطة ضخمة ومتنوعة جداً بحيث لا يغطيها شرح قصير .
ثمة جهود في هذا القرن لتطوير برنامج عربي مشترك في الترجمة. إحدى هذه المحاولات جرت في تونس عام 1979م برعاية المنظمة العربية للتعليم والثقافة والعلوم ( في الأدب والتأليف والترجمة 1993: ص171 وما يليها). ضمت توصيات هذه اللجنة تطوير أسس مشتركة لاختيار النصوص للترجمة،وإعادة تقييم مكانة المترجمين في العالم العربي،وتأسيس سياسة متماسكة لتعلم اللغة وتدريب المترجم،وإنشاء اتحادات عربية وإقليمية لتمثيل المترجمين، وتشجيع البحث النظري في الترجمة. ويبدو أن هذا البرنامج الطموح لم تتم متابعته حتى الآن .
ثمة برامج للتدريب على الترجمة في أجزاء مختلفة من العالم العربي إما على شكل مؤسسات مستقلة ( كما في حالة مدرسة الملك فهد للترجمة في طنجة ) أو على شكل أقسام في الجامعات أو مراكز في داخل الأقسام (كما في جامعة اليرموك في الأردن وجامعة الإسكندرية) وكان في العراق مدرسة متطورة فيالترجمة (المستنصرية) ومنظمة مهنية للمترجمين قبل حرب الخليج،ولكن حتى الآن يصعب الحصول على معلومات حول هذه المؤسسات في الوقت الحاضر.
تصدر مدرسة الملك فهد للترجمة في مدينة طنجة مجلة نصف سنوية متخصصة في الترجمة تحت عنوان " ترجمان " وتحتوي على مقالات بالعربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية .
سير ذاتية :
الأب أنطون رفائيل ( ولد 1759 ) :
وهو قسيس كاثوليكي مصري من أصل سوري أصبح العضو العربي الوحيد في المجمع العلمي المصري الذي أنشأه نابليون عام 1798. تلقى رفائيل تعليمه في روما بين سن الخامسة عشرة والثانية والعشرين،وأمضى حوالي خمس سنوات في صيدا يترجم النصوص الدينية ثم عاد إلى روما بمهمة دينية حيث كان يترجم بين اللغتين العربية والإيطالية مدة من الزمن قبل أن يعود في النهاية إلى بلده مصر. وقد كان المرسوم النابليوني لإنشاء المجمع العلمي المصري اشترط وجود مترجم عربي واحد كعضو دائم في المجمع فاحتل الأب رفائيل هذا المركز في لجنة الآداب والفنون الجميلة . وقد ترجم كتابة وشفاهاًعلى نطاق واسع للفرنسيين أثناء احتلالهم لمصر واحتل مكانة مهمة تخوله توقيع اسمه كبيراً للمترجمين على المراسيم القضائية ووثائق رسمية مشابهة . ومكث في مصر سنتين بعد رحيل الفرنسيين، لكنه غادر إلى باريس حيث تمت مكافأته على مساعدته نابليون بتعيينه أستاذاً مساعداً في المعهد الشرقي في باريس ( الشيال 1951 ) .
الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) :
تربوي ومترجم مصري ومؤسس أول مدرسة للترجمة في مصر، أمضى الطهطاوي خمس سنوات في باريس حيث أتقن اللغة الفرنسية وأحب ثقافتها. ولدى عودته إلى مصر عمل مترجما في واحدة من مدارس محمد علي الجديدة المتخصصة. في عام 1835 عُيِّن رئيساً للألسن وهي مدرسة مرموقة للغات أنشأها محمد علي بناء على توصية لتدريب جيل جديد من الموظفين والمترجمين .كان الطهطاوي يرشد طلابه وهم يترجمون كتباً من اختياره ثم يقوم بتنقيحها وطباعتها. إضافة إلى تنقيح ترجمات طلابه فإنه أيضاً أصدر عدداً ضخماً من ترجماته الخاصة كانت في معظمها في مجالات الطب والإدارة والتكنولوجيا . أرسل الخديوي عباس الطهطاوي إلى الخرطوم عام 1850 كنوع من العقاب لأن الخديوي لم يقبل ولاءات الطهطاوي السياسية والفكرية خصوصاً حبه لنموذج الديمقراطية الفرنسي .
وفي أثناء إقامته في السودان ترجم الطهطاوي رواية فينلون مغامرات ثيليماخوس وهي أول رواية فرنسية تتم ترجمتها إلى اللغة العربية. انتهت ترجمتها عام 1851 لكنها نُشرت لاحقاً بعد ستة عشر عاماً في بيروت، سُمح للطهطاوي فيما بعد العودة إلى مصر حيث رأس مرة أخرى مدرسة يتبعها مكتب للترجمة. بعدها كانت أولويته ترجمة الأنظمة القضائية الفرنسية إلى اللغة العربية .

. هذا المقال مأخوذ من موسوعة روتلدج لدراساتالترجمة المنشورة سنة 1998 تحرير منى بايكر. يغطي المقال الصفحات من 316 حتى 325.
بسم الله الرحمن الرحيم